عثمان بن جني ( ابن جني )

493

الخصائص

الحكاية فيما مضى من هذا الكتاب ؛ وقلنا في معناها : ما وجب هناك . وحكى الأصمعىّ قال : دخلت على حماد بن سلمة وأنا حدث ، فقال لي : كيف تنشد قول الحطيئة : ( أولئك قوم إن بنوا أحسنوا ما ذا . فقلت ) : أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنى وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا " 1 " فقال : يا بنىّ ؛ أحسنوا البنا . يقال : بنى ، يبنى ، بناء في العمران ، وبنا يبنو بنا ، في الشرف . هكذا هذه الحكاية ، رويناها عن بعض أصحابنا . وأمّا الجماعة فعندها أن الواحد من ذلك : بنية وبنية ؛ فالجمع على ذلك : البنى ، والبنى . وأخبرنا أبو بكر محمد بن علىّ بن القاسم الذهبىّ بإسناده عن أبي عثمان أنه كان عند أبي عبيدة ، فجاءه رجل ، فسأله ، فقال له : كيف تأمر من قولنا : عنيت بحاجتك ؟ فقال له أبو عبيدة : اعن بحاجتي . فأومأت إلى الرجل : أي ليس كذلك . فلمّا خلونا قلت له : إنما يقال : لتعن بحاجتي . قال : فقال لي أبو عبيدة : لا تدخل إلىّ . فقلت : لم ؟ فقال : لأنك كنت مع رجل خوزىّ " 2 " ، سرق منى عاما أوّل قطيفة لي . فقلت : لا واللّه ما الأمر كذلك : ولكنك سمعتنى أقول ما سمعت ، أو كلاما هذا معناه . وحدّثنا أبو بكر محمد بن علىّ المراغىّ قال : حضر الفرّاء أبا عمر الجرمىّ ، فأكثر سؤاله إياه . قال : فقيل لأبى عمر : قد أطال سؤالك ؛ أفلا تسأله ! فقال له أبو عمر : يا أبا زكرياء ، ما الأصل في قم ؟ فقال : أقوم . قال : فصنعوا ما ذا ؟ قال : استثقلوا الضمة على الواو ، فأسكنوها ، ونقلوها إلى القاف . فقال له أبو عمر : ( هذا خطأ ) : الواو إذا سكن ما قبلها جرت مجرى الصحيح ، ولم تستثقل الحركات فيها . ويدلّ على صحّة قول أبى عمر إسكانهم إياها وهي مفتوحة في نحو يخاف وينام ؛ ألا ترى أن أصلهما : يخوف ، وينوم . وإنما إعلال المضارع هنا محمول على

--> ( 1 ) البيت من الطويل وهو للحطيئة في ديوانه ص 41 ، ولسان العرب ( عقد ) ، ( بنى ) ، والمخصص 2 / 164 ، 5 / 122 ، 15 / 139 ، وتهذيب اللغة 1 / 197 ، 15 / 492 ، وتاج العروس ( بنى ) . ( 2 ) نسبة إلى سكان جبل الخوز من أرض فارس .